الغزالي
12
إحياء علوم الدين
ولكن حال زيد وعمرو بعينه فلا ينكشف أصلا ، فإنا إن عولنا على إيمان زيد وعمرو فلا ندري على ما ذا مات ، وكيف ختم له . وإن عولنا على صلاحه الظاهر فالتقوى محله القلب ، وهو غامض يخفى على صاحب التقوى ، فكيف على غيره ، فلا حكم ظاهر الصلاح دون التقوى الباطن قال الله تعالى * ( إِنَّما يَتَقَبَّلُ الله من الْمُتَّقِينَ ) * « 1 » فلا يمكن معرفة حكم زيد وعمرو إلا بمشاهدته ومشاهدة ما يجرى عليه . وإذا مات فقد تحول من عالم الملك والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت ، فلا يرى بالعين الظاهرة ، وإنما يرى بعين أخرى ، خلقت تلك العين في قلب كل إنسان ، ولكن الإنسان جعل عليها غشاوة كثيفة من شهواته وأشغاله الدنيوية ، فصار لا يبصر بها ، ولا يتصور أن يبصر بها شيئا من عالم الملكوت ما لم تنقشع تلك الغشاوة عن عين قلبه . ولما كانت الغشاوة منقشعة عن أعين الأنبياء عليهم السلام ، فلا جرم نظروا إلى الملكوت وشاهدوا عجائبه ، والموتى في عالم الملكوت ، فشاهدوهم وأخبروا . ولذلك [ 1 ] رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضغطة القبر في حق سعد بن معاذ ، وفي حق زينب ابنته . وكذلك حال أبي جابر لما استشهد ، إذ أخبره أن الله أقعده بين يديه ليس بينهما ستر ومثل هذه المشاهدة لا مطمع فيها لغير الأنبياء والأولياء الذين تقرب درجتهم منهم . وإنما الممكن من أمثالنا مشاهدة أخرى ضعيفة ، إلا أنها أيضا مشاهدة نبوية ، وأعنى بها المشاهدة في المنام ، وهي من أنوار النبوة . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « الرّؤيا الصّالحة جزء من ستّة وأربعين جزأ من النّبوّة » وهو أيضا انكشاف لا يحصل إلا بانقشاع الغشاوة عن القلب ، فلذلك لا يوثق إلا برؤيا الرجل الصالح الصادق . ومن كثر كذبه لم تصدق رؤياه ، ومن كثر فساده ومعاصيه أظلم قلبه فكان ما يراه أضغاث أحلام ولذلك [ 3 ] أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطهارة عند النوم لينام طاهرا ، وهو إشارة
--> « 1 » المائدة : 27